فخر الدين الرازي

123

تفسير الرازي

التهويل والتخويف أفرد الروح بعدهم بالذكر ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : * ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ) * ( النبأ : 38 ) وهذا يقتضي أن الروح أعظم ( من ) الملائكة قدراً ، ثم ههنا دقيقة وهي أنه تعالى ذكر عند العروج الملائكة أولاً والروح ثانياً ، كما في هذه الآية ، وذكر عند القيام الروح أولاً والملائكة ثانياً ، كما في قوله : * ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ) * وهذا يقتضي كون الروح أولاً في درجة النزول وآخراً في درجة الصعود ، وعند هذا قال بعض المكاشفين : إن الروح نور عظيم هو أقرب الأنوار إلى جلال الله ، ومنه تتشعب أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح ، وبين الطرفين معارج مراتب الأرواح الملكية ومدارج منازل الأنوار القدسية ، ولا يعلم كميتها إلا الله ، وأما ظاهر قول المتكلمين وهو أن الروح هو جبريل عليه السلام فقد قررنا هذه المسألة في تفسير قوله : * ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ) * ( النبأ : 38 ) . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الله في مكان ، إما في العرش أو فوقه بهذه الآية من وجهين : الأول : أن الآية دلت على أن الله تعالى موصوف بأنه ذو المعارج وهو إنما يكون كذلك لو كان في جهة فوق والثاني : قوله : * ( تعرج الملائكة والروح إليه ) * فبين أن عروج الملائكة وصعودهم إليه ، وذلك يقتضي كونه تعالى في جهة فوق والجواب : لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل ، فأما وصف الله بأنه ذو المعارج فقد ذكرنا الوجوه فيه ، وأما حرف ( إلى ) في قوله : * ( تعرج الملائكة والروح إليه ) * فليس المراد منه المكان بل المراد انتهاء الأمور إلى مراده كقوله : * ( وإليه يرجع الأمر كله ) * ( هود : 123 ) المراد الانتهاء إلى موضع العز والكرامة كقوله : * ( إني ذاهب إلى ربي ) * ( الصافات : 99 ) ويكون هذا إشارة إلى أن دار الثواب أعلى الأمكنة وأرفعها . المسألة الثالثة : الأكثرون على أن قوله : * ( في يوم ) * من صلة قوله * ( تعرج ) * ، أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم ، وقال مقاتل : بل هذا من صلة قوله : * ( بعذاب واقع ) * ( المعارج : 1 ) وعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير والتقدير : سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وعلى التقدير الأول ، فذلك اليوم ، إما أن يكون في الآخرة أو في الدنيا ، وعلى تقدير أن يكون في الآخرة ، فذلك الطول إما أن يكون واقعاً ، وإما أن يكون مقدراً فهذه هي الوجوه التي تحملها هذه الآية ، ونحن نذكر تفصيلها القول الأول : هو أن معنى الآية أن ذلك العروج يقع في يوم من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنة ، وهو يوم القيامة ، وهذا قول الحسن : قال وليس يعني أن مقدار طوله هذا فقط ، إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية ولفنيت الجنة والنار عند تلك الغاية وهذا غير جائز ، بل المراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا . ثم بعد ذلك يستقر أهل النار في دركات النيران نعوذ بالله منها . واعلم أن هذا الطول إنما يكون في حق الكافر ، أما في حق المؤمن فلا ، والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى : * ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ) * ( الفرقان : 24 ) واتفقوا على ( أن ) ذلك ( المقيل والمستقر ) هو